كتب : محمد مجدي،14-7-2013
المقولة الرائعة للزعيم الوطني مكرم عبيد " اللهم ميلاً عن الهوي، لا ميلاً مع الهوي"، هي منهج ينبغي أن نتبعه في حياتنا، للوصول إلي الحقيقة و الدفاع عن الحق، منهج يساعدنا علي قراءة الواقع بشكل واقعي و متجرد،و هو ما يساعدنا علي إستشراف المستقبل.
و أحاول قدر الإمكان تمثٌل هذا المنهج، و أدعي إنه أفادني جداً في قراءة واقع السياسة المصرية، و بشكل خاص في العامين الماضيين، حين عزمت علي أن أكون مُستقلاً عن أي كيان سياسي أُحسَب عليه، و هو ما تشهد بصحته مقالاتي، و بشكل خاص المكتوبة منذ يناير الماضي.
و هذا المقال، هو تجميع لهذه المقالات، التي سأعرض هنا لأهم ما جاء بها، حتي تتضح الصورة و تكتمل، و كيف أن 30 يونيو 2013 لم تأتِ فجأة أو من فراغ، و ما هو الخطر الذي كان يمثله المشروع الإخواني علي مصر.
و المشروع الإخواني قولاً واحداً، لو تُرك ليُحقق نتائجه النهائية لإنتهت مصر من التاريخ، فهذا المشروع كانت معركته الحقيقية مع المجتمع المصري، و مع الدولة المصرية، ليست دولة المؤسسات الحديثة فقط، و لكن أيضاَ مع مصر ذاتها التاريخ و الحضارة و الأرض، فمصر هي أقدم دولة عرفها التاريخ، عرفت التجانس بين سكانها، علي إختلاف عقائدهم، و عرفت حدود جغرافية محددة، و جغرافيا سياسية تمتد في محيطها الجغرافي الافريقي و الاسيوي لتؤمن أمنها القومي. بإختصار شديد جداً، المشروع الإخواني يتماهي في هذه النقطة مع المشروع الصهيوني في نتيجة واحدة، و هي تدمير مصر، و إضعافها.
و لهدم دولة المؤسسات المصرية عمل الإخوان علي شن الحرب علي أربع مؤسسات و هي: القضاء و الإعلام و المؤسسات الدينية و خاصة الأزهر، و أخيراً المؤسسات الأمنية: الشرطة و الجيش و المخابرات. لمحاولة تطويعها ثم تدميرها.
و كانت حربهم علي الجميع هي أهم عوامل سقوطهم السريع.و في أول مايو 2013 نشرت مقالي يوليو 2013 ، و الذي عرضت فيه لخطوط عامة غير مفصلة بشكل كاف، لأن التفاصيل كثيرة، و الأحداث مُتسارعة، و كان ضرورياً نشر ما توصلت إليه لبث الأمل في النفوس، و في هذا المقال عرضت لإحصاءات ذات مدلول سياسي و إجتماعي تقول بحتمية سقوط نظام الإخوان صاحب الأداء السياسي السئ جداً، و ختمته بالنتيجة التي توصلت اليها و هي " من الصعب إزاء هذه المُعطيات ان يُكمل مرسي مدته. و ستكون معجزة لو أكمل حتي نهاية هذا العام؛إذ يبدو أن يوليو القادم سيكون شهر حاسم في مستقبل مصر" و قد كان،إذ أشتعلت الأحداث قبلها حتي كان عزل مرسي في 4-7-2013.. و كيف أنه ليس شهراً حاسماً في مستقبل مصر فقط ، بل و العالم، إذ أن مصر قلبت خريطة السياسة العالمية، و هو ما سيتضح أكثر في الأيام المقبلة.
و قد توافقت نتيجة هذا المقال مع مقال آخر كتبته في 11-2-2013 بعنوان 11 فبراير 2010 !! ذكرت فيه أن الحال بعد مرور عامين علي الثورة هو هو كما كان يوم تنحي مبارك بل أخطر و أزيد.. و أن غضب المصريين كغضب الحليم لن يقدر عليه أحد.
و كتحذير مني لألاعيب الإخوان و محاولة الوقيعة بين الجيش و الشعب لإفشال حركة الشعب ضدهم، كتبت في 26-6-2013 مقالاً بعنوان كيف تسعي لفشل 30-6-2013 ؟! و عرضت فيه لأربع ملاحظات و نصائح علي الثوار الأخذ بها حتي ينجحوا في هدفهم ، و ذلك بعد عرض مقاربة بين حركتهم و بين 25يناير-11 فبراير 2013 ، و هي :
1-أن طنطاوي كان يتابع الأحداث مع مبارك علي الشاشات لكنه مع الاصرار الشعبي ساهم في خلعه.
2- رغم نزول قوات الجيش و العلاقات الطيبة بينه و بين الثوار منذ اللحظة الأولي إلا أن مبارك ترك السلطة بعدها ب 15 يوماً. ( كيلا لا ييئسوا سريعا و لكن ما حدث هو ان الجيش عزل مرسي بعد 4 أيام فقط )
3- عناد الثوار و اصرارهم علي مطلب واحد هو رحيل مبارك، هو ما جعله يرحل في النهاية،روح المقاومة وقتها انتصرت علي خطط مبارك.
4- زحف الثوار إلي مقر الحكم و اعتصامهم أمامه كان نقطة تحول أسرعت بالرحيل.
و ذكرت صراحة ان " الجيش لا يستطيع عزل مرسي دون ارادة شعبية واسعة. العالم اليوم لا يرحب بالانقلابات العسكرية الفجة. " و ها نحن نري الآن كيف أن خطة الإخوان المضادة تعتمد علي تكوين رأي عام دولي بان ما حصل هو إنقلاب عسكري، كي يتمكنوا من جلب قوات اجنبية للتدخل العسكري ضد مصر، و هو ما طالب به قادتهم( عصام الحداد- جهاد الحداد- و آخرون)، و هي بلا شك جريمة خيانة عظمي عقوبتها الإعدام. و هو ما نبهت له - أيضاَ- في مقال هل يحرقون مصر من أجل الأستاذية ؟، المنشور في 3-6-2013..! و هم اليوم يتبعون إستراتيجية الأرض المحروقة، ليتمكنوا من عمل تفاوض لتخليص قياداتهم من حبل المشنقة،راجع مثلاً تصريح البلتاجي بان سيناء لن تهدأ حتي يتم الإفراج عن مرسي، و محاولات تفاوضهم مع الجيش للخروج الآمن. فحربهم لم تعد من أجل حلم الأستاذية، لكن تطورات الموقف جعلتها حرب من أجمل حماية تنظيمهم من الإنهيار الكامل..!
و هذا ما يفسر موقف نظام أردوغان في تركيا، الذي يحاول الضغط خارجياً للتدخل العسكري ضد مصر،و حماس الفلسطينية، التي تنتشر علي الحدود المصرية، إلي جانب عناصرها، الذين يتم إلقاء القبض عليهم لقيامهم بقتل المعارضين للإخوان،و ذلك لأن كلاً من اردوغان و حماس - نظامان اخوانيان.. و بإنهيار إخوان مصر فإن أردوغان إحتمالات سقوطه قريبة، و كذلك حماس، و التي بدأ الشباب الفلسطيني في جمع توقيعات تمرد ضدها، و بخصوص حماس، كتبت في 15 مارس 2013 مقالاً بعنوان: ميثاق حماس يُكذب حماس ، و فيه فندت إدعاءات القيادي الحمساوي موسي أبي مرزوق، التي أدعي فيها أن حماس لا تتدخل في شئون الدول المجارة، و كيف يتناقض هذا مع ما ورد في ميثاق الحركة الصادر في 18 اغسطس 1988، و الذي ينص في مادته الأولي بعبارات صريحة لا تحتمل تأويلاً أن " حركة المقاومة الإسلامية(حماس)جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين، و حركة الإخوان تنظيم عالمي...". و يؤكد هذا بقية المواد حيث أنها في أكثر من موضع نصت علي أن حماس حركة عالمية، عضويتها تتسع لكل مسلم أياً كانت بلده طالما إنه إلتزم بالميثاق و بأسرار الحركة ، و يظهر واضحاً إنها ليست مجرد حركة محلية، أي مُختصة بفلسطين فقط ، بل هي كما جاءت الألفاظ صريحة " في هذا المكان.." أي فلسطين .. و " في كل مكان يمكنها أن تصل إليه و تؤثر فيه" أي خارج فلسطين".
و كانت تصريحات أبو مرزوق لتكذيب ما نشرته جريدة الأهرام العربي و التي ثبت صحتها، و ان مرسي كان يضع هذا الملف بدرج مكتبه حفاظاً علي حفاؤه و أبناء تنظيمه من العقاب. و هذا بلا شك يوضح كيف كانت السيادة المصرية مخترقة في حكم مرسي، و غننا كنا نُحكم بتنظيم عالمي.. ولاءه لمصالحه فقط علي حساب مصر و مصلحتها و مصلحة شعبها.
علي صعيد مواجهة الإخوان مع مؤسسات الدولة المصرية الحديثة و محاولة هدمها،عبرت مجموعة من المقالات عن هذه الحرب.
أ. بخصوص القضاء: نشرت في 24-4-2013 مقال القضاة في مواجهة مشروع التمكين، عرضت فيه لمحاولات الأخوان هدم هذه المؤسسة المهمة، و الدور المقاوم العظيم للقضاة، و تنبات بان القضاة قد يكونون هم القشة التي ستقصم ظهر البعير، و هو ما حدث فعلاً، حيث كان لشموخ مواقف القضاة، و لأحكامه الشجاعة، و خاصة حكم قضية الهروب من سجن النطرون ، الصادر من محكمة مستأنف الإسماعيلية في يونيو 2013، و الذي إنتهي إلي أن هروب قيادات الإخوان من سجن النطرون كان بمساعدة عناصر خارجية من حزب الله و من حركة حماس،و أنهم 36 من قادة الإخوان من ضمنهم مرسي مطلوبون للعدالة و من ضمنهم مرسي الذي كان وقتها رئيساً للجمهورية، لإتهامهم بالتخطيط لاقتحام السجن، و للتخابر مع جهات أجنبية. كان أثر هذا الحكم الشجاع كبيراً، و الذي تعرض القاضي الشجاع خالد محجوب لتهديات كثيرة منها القتل للإعتذار عن القضية لكنه إستكمل المحاكمة و أصدر الحكم في حماية شعبية،إذ أوضح هذا الحكم بجلاء أن الإخوان هم الطرف الثالث الذي قتل المصريين، و الذي اوقع بين الشرطة و الشعب. فكان هذا الحكم هو بداية المصالحة بين الشعب و شرطته، و التي تجلت في الوحدة بينهما في 30 يونيو.
ثم كان الحكم ببطلان قرار مرسي بتعيين طلعت عبد الله نائباً عاماً، لمخالفة الإجراءات للقانون.
ب- المؤسسات الدينية: حاول الإخوان هدم المرسسات الدينية الأزهر و الكنيسة بتشويه صورتهما و توريطهما فيما ليس من دورهما. بالنسبة للكنيسة حاول الإخوان توريطها في قضية سد النهضة، لكن الكنيسة بوعي حسمت المسالة بأن أمور السياسة ليست من إختصاصها. أما بالنسبة للأزهر فقد حاول الإخوان الإستعانة بدعاة ينتمون لتنظيمهم من الخارج ليلعبوا دوراً في هدم الثقة في شيوخ و علماء الأزهر من ناحية،و هو هدف إخواني قديم منذ عهد الرئيس عبد الناصر، و أيضاَ ليلعب هؤلاء الدعاة دوراً في كبح جماح غضب الناس، و هو ما نجحوا فيه جزئياً عبر إستقدامهم في ينايرمن هذا العام لمجموعة من الدعاة الخليجيين، منهم الشيخ محمد العريفي، و الذي وضحت حقيقة دوره في تحقيق نشرته في 23 يناير 2013 معنون: ما هي أسرار زيارة العريفي لمصر ؟
ج- الإعلام: قد لا يكون الإعلام مؤسسة رسمية إلا ما يتعلق بالتلفزيون الحكومي و الذي سيطروا عليه عن طريق وزير إعلامهم صلاح عبد المقصود، و لكن الإعلام الخاص، كان يُسبب لهم قلقاً و خطراً كبيراً لذا نال نصيباً كبيراً من الحرب عليه.
و في حكم مرسي فقد تعرض إعلاميون كثيرون للقتل أو للملاحقة القانونية. و في مقال يسري فودة و يسري سلامة بين خلية مدينة نصر و قنابل الغاز!، المنشور في 27 مارس ،عرضت فيه لوثيقة التمكين الإخوانية التي تقضي بالسيطرة علي الإعلام، و كيف إنها تنفذ بحذافيرها، كما وضحت أن هناك ثمة علاقة بين حازم أبو اسماعيل و تنظيم القاعدة بقيادة الظواهري، و ذلك من واقع ما تضمنته الأوراق المضبوطة مع خلية مدينة نصر..و كيف أن حصار حازمون لمدينة الإنتاج الإعلامي هو جزء من هذا المخطط.
د- المؤسسات الأمنية:
الحرب علي المؤسسات الأمنية، هو أهم اجزاء خطة التمكين، و بعد نجاح الإخوان في تدمير جهاز الشرطة في 28 يناير 2011، حاولوا تكملة حربهم علي أجهزة المخابرات، و علي الجيش.
و نال الجيش حملة تشويه كبيرة، من قادة الإخوان و حلفائهم، و بشكل خاص فقد نال موضوع العلاقة بين الجيش و الإخوان الجزء الأكبر من إهتمامي في الفترة الماضية، و هذا لأنه بتحليل الساحة السياسية فإن القوتين الوحيدتين المنظمتين كانتا التيار الاسلامي بزعامة الإخوان، و الجيش، و أي محاولة لتطويع الجيش أو هدمه،كان معناها دخولنا في نفق مظلم لفترة طويلة.
كان هذا الاستنتاج، أن القوتين الوحيدتين علي الأرض، هما الإخوان و الجيش، من واقع مقال نقدي عن جبهة الإنقاذ، التي تمثل أكبر تجمع معارض للإخوان، و إنها لا تمتلك برنامج وطني للتغيير،كما أن أسلوبها مترنح و غير واضح و يصيب باليأس و الإحباط ،و هو ما يعني موت السياسة في مصر، فكان الحل الوحيد الذي تم من خارج الأحزاب القائمة، و هو ما تجلي في حركة تمرد، التي عملت بشكل مستقل عن الكيانات المتواجدة، لتعيد الحيوية للشارع من جديد، و قد عبرت عن فكرتي هذه في مقالين هما: أين برنامج الإنقاذ الوطني يا جبهة الإنقاذ ؟ ( 8 فبراير 2013) و متي يكتبون شهادة وفاة الثورة ؟ ( 18 أبريل 2013).
محاولات تشويه الجيش كان جزء منها التشكيك في ذمته المالية و المطالبة بأن لا يكون للجيش اقتصاد خاص به، و وضحت خطر هذه المقولات علي أمن مصر، و هو ما أثبتت الأيام صحته، بعد 30 يونيو، إذ أن الهدف الصهيوني هو تدمير الجيش لتكون السيادة في المنطقة لاسرائيل وحدها، و كتبت في 19-5 أن اقتصاد الجيش خط أحمر.
و في 2-5 كتبت عن الحرب المعنوية علي الجيش ، و فضحت خطة الإخوان في تشويه الصورة الذهنية عند الشعب كتقدمة لتفكيكه و تدميره و تحويله من جيش وطني نظامي إلي جيش من جيوش أمراء المماليك. و كيف أن الجيش يعي خطرهم علي الأمن القومي، و عرضت لمواقف لرئيس الأركان صدقي صبحي في ليبيا و السودان.
ما سبق، كان استعراضاً، او كشف حساب، كان لزاماً عرضه ، لتتضح أبعاد المشهد في مصر، بالتركيز علي أهم ما حدث، كي تكون عندنا صورة واضحة للمستقبل.
و أهم ملامح هذا المستقبل، التي لا تقبل جدلاً أو شكاً الآن هي ضرورة عدم إنشاء أحزاب علي خلفية دينية، إذ أنه يؤدي إلي حكم الديكتاتورية و الفاشية كما عاصرناه، و في مقاربة بين فاشية موسوليني و فاشي الإخوان كتبت في 21 -8-2012 : الفشيست و الإخوان، وضحت فيه نتيجة حكمهم و ختمت المقال بتساؤل:
" خربوا فيه اقتصاد ايطاليا الذي كان خرباً اصلاً نتيجة لسياستهم الديكتاتورية و طموحاتهم التوسعية و عدم وجود برنامج حكم حقيقي ! لكن انتهوا نهاية سيئة و لفظهم الشعب المستضعف ، و لُفظت الفاشستية و صارت صفحة سوداء في تاريخ ايطاليا ، فكم سنحتاج من السنين لنلفظ هذا الحكم الاخواني الرجعي..؟ " و في الحقيقة احتجنا فقط إلي 369 يوماً..!!
إن سنة من حكم الإخوان لمصر قد أجابت أيضاَ عملياً عن تساؤل:هل يمكن دمقرطة الأصولية الدينية ؟ ( عنوان مقال منشور في 19-1-2011)- و كان الجواب بالطبع موافقاً للاستنتاج النظري، و كان الجواب لا :
"فلا يٌمكن دمقرطة " الأصولية الدينية " لإنها بالطبع ترفض بل و تعادي العلمنة و العقلنة و تنتهك الأنسنة و يكون التمحُك في الديموقراطية وقتها دون ضلعاها الأساسيين ( العلمنة و العقلنة ) هو الخداع بعينه ؛ فـفي هذه الحالة تتحول الأصولية الدينية إلي " وصولية سياسية " ..تٌدمر المشترك الإنساني و تحتكر الحقيقة و تنفي الآخر .."..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق