الاثنين، 7 يناير 2013

مستقبل الحياة الحزبية في ضوء الانتخابات البرلمانية 2011

البرلمان المصري



 محمد مجدي
28-7-2011
_________

                                 مستقبل الحياة الحزبية في ضوء الإنتخابات البرلمانية 2011 (*)(**)


أ- مستقبل الممارسة الحزبية في مصر 


بعد ثورة 25 يناير هناك عديد من الاسئلة التي باتت تفرض نفسها علي الساحة ، و هي جميعها أسئلة تقع تحت عباءة سؤال كبير عن مستقبل مصر بعد الثورة.

الثورة التي رفعت شعارات الحرية و العدالة و الكرامة .
و هي الشعارات التي أثبتت التجربة البشرية إنها تفضل أكبر تطبيق لها في ظل نظام ديمقراطي (حقيقي).

و لا ديمقراطية سليمة بدون أحزاب قوية و فاعلة في الحياة السياسية.

و عليه فإن السؤال عن مجتمع الحرية و العدالة و الكرامة - بمعني أو بأخر- يجد إجابة له في نظام ديمقراطي سليم ، و هو ما يطرح علينا السؤال عنون لقاء اليوم  عن مستقبل الممارسة الحزبية في مصر .
الممارسة الحزبية يحددها بشكل أساس :

 1- الإطار المنظم للحياة السياسة في مصر ، أي الإطار القانوني المنظم للممارسة الحزبية و السياسية ، أي ما يحدده و ما يمنعه - بشكل خاص - قانون الأحزاب السياسية ، و قانون مجلس الشعب .
من المهم هنا الإجابة عن سؤال : هل يمنح هذا الإطار القانوني الأحزاب المتنافس فرص متكافئة  أم لا ؟
سؤال آخر مهم أيضا عن: مدي توافر المقومات الأساسية لكل حزب ( نعني : البرنامج السياسي - الكادر السياسي - شبكة العلاقات الجماهيرية - الانتشار الجغرافي بما يؤكد انه يعبر بالفعل عن قوي اجتماعية حقيقية في المجتمع - التمويل ) - مدي توافرها من عدمها ؟
2- البيئة السياسية ، و نهتم هنا بثقافة قبول الأحزاب عند المصريين .

هذان الأساسان يوضحان لنا مستقبل الممارسة الحزبية في مصر من خلال ما تطرحه علينا من إجابات حول سؤال مركزي هو مدي ما يؤهلانه من حرية للممارسة و إزالة للعقبات ؟

أيضا من المهم أن نضع في حسباننا طبيعة السلطة القائمة الآن و ظروف المرحلة الانتقالية و كيفية إدارتها للأمور و تداعيات هذه الإدارة علي مستقبل الممارسة الحزبية في مصر .
الأساس الأول : الإطار المنظم للحياة السياسية في مصر
في عرض سريع نقدم لنقد لهذه القوانين .

أ- قانون الأحزاب الجديد  ( مرسوم بقانون رقم 12 لسنة 2011 )
1- أوضح القانون في المادة (7) أن الأحزاب تقوم بالإخطار للجنة شئون الأحزاب ، و وضع قيدا علي هذا أن يكون مصحوباً بتوقيع 5000 عضو مؤسس من 10 محافظات علي الأقل بحيث لا يقل العدد في المحافظة الواحدة عن 300 عضو . يري البعض إنه كان يكفي فقط أن تقوم الأحزاب بالإخطار دون هذا القيد لأن في هذا تقييد للممارسة الحزبية ؛ حيث يري أن القيد الذي يجب أن يكون علي الأحزاب هو أن لا تحترم القواعد الديمقراطية أو تكون خطرا علي مدنية الدولة، و هو رأي أميل إليه لإنه بحسب ما قال حسين عبد الرازق " يجعل الأحزاب بالترخيص و ليس بالإخطار "..!!
2- في المادة (8) ذكر القانون أن علي الأحزاب أن تنشر أسماء أعضائها المؤسسين في صحيفتين واسعتين الإنتشار ، و ذلك بدلا من نشرها في الصحيفة الرسمية كما نص القانون القديم. 
و في هذا عبء مالي كبير علي الأحزاب جميعها خصوصا الأحزاب التي تعاني من ضعف التمويل المالي. كما إنها تقف عائقاً أمام الأحزاب الجديدة التي ربما تبدأ بفكرة جديدة و تحتاج لوقت كي تكتسب مؤيدين و ممولين لها. و عليه فإنني أري أن بهذه المادة عدم مساواة و إجحاف.
من ناحية أخري فمن إيجابيات هذا القانون : منع الدعم المالي عن الأحزاب حتي لا ترتبط بالدولة و تكون مستقلة.
هكذا نري أن هذا القانون يقف عائقاً ضد الممارسة الحزبية فهو : يضع قيود تتعلق بأن

1- يكون إنشاء الأحزاب في حقيقته برخصة و ليس بمجرد الإخطار
 -2- مجحف و غير عادل حيث إنه في الحقيقة لا يسمح إلا بوجود أحزاب لديها قدرات مالية مرتفعة و يحرم الأخري الفقيرة من الممارسة السياسية .
ب- قانون مجلس الشوري ( مرسوم بقانون رقم 109 لسنة 2011 )
من أبرز ما يؤخذ علي هذا القانون إنه1- جعل ثلث المجلس بالتعيين -2- أبقي علي نسبة 50 % عمال و فلاحين -3- إنه جعل نصف مقاعده بالانتخاب بالنظام الفردي-4-  إنه صدر دون حوار مع القوي السياسية ، و التي تطالب بإلغاء مجلس الشوري !

ج- قانون مجلس الشعب ( مرسوم بقانون رقم 108 لسنة 2011 )
بالنسبة لمرسومي 108 و 109 الخاصين بمجلسي الشعب و الشوري فإن هناك بعض الإيجابيات و بعض السلبيات .

ج-1- الإيجابيات

- تأكيد الإشراف القضائي علي الإنتخابات ، و وضع قاض علي كل صندوق.
- إتاحة الفرصة لمنظمات المجتمع المدني لرصد العملية الانتخابية و مراقبتها و افساح الطريق امامها بطريقة قانونية.

- اسناد مهمة الفصل في الطعون و صحة العضويات للجهات القضائية المتمثلة في المحكمة الادارية العليا و محكمة النقض ( و هو ما يقضي علي تابوه أن المجلس سيد قراره ! )
- حظر الدعاية علي أساس ديني مع إقرار عقوبة جنائية علي المرشح فضلا عن إمكانية شطبه نهائيا بقرار من المحكمة الادارية العليا.
- تخفيض سن المرشح إلي سن 25 سنة.
- دمج المرأة بنظام القائمة ( و هو أفضل من نظام الكوتة ).
ج-2 : السلبيات

- الإبقاء علي نسبة 50 % عمال و فلاحين ( و هي آلية عفي عليها الزمن ، و لم تعد تنسجم مع الاختصاصات الفنية و السياسية الموكلة للبرلمانات ). ( و هو من عقبات وصول كفاءات حقيقة للبرلمان)
- تحديد نسبة نص بالمئة لضمان التمثيل تبقي نسبة قليلة بالنظر الي كثرة الحركات و الائتلافات و هو ما يعمق من الخلافات داخل البرلمان ، يقترح البعض نسبة 4% بدل نص بالمئة .
- اجراء المنافسة علي 50% من المقاعد الفردية غير مقبول بالنسبة لعيوب النظام الفردي و كان الأجدي تشجيع نظام القائمة الذي يسمح بتأصيل البرامج و الرؤي السياسية .(كما إنه يعمق من النظرة السلبية للأحزاب و يعوق من نشر الثقافة الحزبية بين الناس ).كما انه اغفل مطالب القوي السياسية باجراء الانتخابات بنظام القائمة النسبية !
- عدم تحديد سقف مالي للانفاق علي الدعاية الانتخابية .
و هكذا يتضح أن عيوب هذا القانون خطيرة و إنه يؤسس لسيطرة رأس المال و العنف الانتخابي و لا يساير روح العصر و يمهد لبرلمان غير متجانس !
ملاحظة مهمة علي هذه القوانين الثلاثة إنها أتت بشكل منفرد من المجلس الأعلي للقوات المسلحة دون الأخذ بأراء القوي السياسية التي ستخوض الإنتخابات !

إن القوانين التي تشكل الإطار القانوني للممارسة الحزبية في مصر لا تواكب لا روح و لا مطالب ثورة 25 يناير و تؤسس لثبات الأوضاع التي كانت سائدة قبل الثورة  إذ إنها في مجموعها لا تعدو كونها مجرد ترميمات تغير بعضاَ من الشكل دون تغيير حقيقي في المضمون !
هذه القوانين بشكلها الحالي لا تؤسس لأن تتغير الثقافة الانتخابية لدي الناس ، و لا تؤسس لأن يكون للأحزاب قيمة محورية لدي الناس.


ب- البيئة السياسية ( ثقافة قبول الأحزاب عند الناس : هل تغيرت؟)
إن السؤال عن هل تغيرت ثقافة قبول الأحزاب عند المصريين بعد 25 يناير ، يكشف لنا عن بعض ملامح مستقبل الممارسة الحزبية في مصر .

الملاحظ إقبال المصريين علي الإهتمام بالشئون السياسية ، مثلاً في أحاديث المقاهي و المواصلات أصبح الشغل الشاغل لكثير من المصريين هو مستقبل مصر السياسي ، و دخلت مفردات جديدة قاموس المواطن المصري و أصبح يرددها كثيرا مثل الدستور - البرلمان - الفلول - الاعتصام - زاد توزيع الصحف اليومية بمعدلات كبيرة عن ما قبل الثورة ، زاد اقبال المصريين علي الاشتراك في الاحزاب و الائتلافات و الحركات السياسية.

بإختصار زادت مساحة الايجابية السياسية .
ينبغي ملاحظة إنه مع هذه الإنفراجة في الاهتمام السياسي للمصريين ، بخاصة الانضمام للأحزاب السياسية إلا إنه لا ينبغي إغفال حقيقة أن كثيراً من الأرقام المعلنة للعضويات في الأحزاب تستلزم منا الإنتباه إلي أنها غير دقيقة ، اذ تم رصد أحزاب تستغل فقر المواطنين فتشتري منهم التوكيلات مقابل مبالغ مالية و سكر و زيت و لحمة ! ( و هي بشكل خاص الأحزاب التي حولها شكوك بأن من يقف ورائها من يصطلح عليهم بالفلول )، كما أن هناك أحزاب أخري بخاصة الأحزاب ذات المرجعية الدينية فإن معظم اعضائها هم أعضاء في جمعياتها الدعوية ( كحزب العدالة و الحرية و حزب النور).
المؤشر المهم هنا أنه بصرف النظر عن هذه التحفظات فإن ما لا يمكن الإختلاف حوله أن تطلعات المصريين نحو المشاركة السياسة الايجابية كبيرة ( نستشهد هنا بالأعداد الكبيرة التي خرجت للاستفتاء حول التعديلات الدستورية ) .
كما إننا لابد أن نلاحظ بهذا الصدد ملاحظتين ، الأولي : أن القوانين التي تشكل الإطار القانوني المنظم للسياسة في مصر لا يوافق هذه التطلعات الكبيرة .
 الثانية : أن هذه القوانين تقف ضد ترسيخ ثقافة الانتماء لحزب.
تداعيات ممارسات السلطة القائمة علي مستقبل الممارسة الحزبية
نخلص مما سبق و قياساً علي حقيقة أن الممارسة السياسية بشكل عام ، و في القلب منها الممارسة الحزبية بشكل خاص تتأثر بطبيعة السلطة القائمة ، و هي هنا سلطة عسكرية ( مؤقتة!) تدير البلاد في فترة إنتقالية لتسليمها كما تزعم إلي حكم مدني منتخب و العودة لثكناتها. هذه السلطة القائمة  من خلال تقييم تواجدها في موقعها منذ تنحي مبارك ( فبراير 2011 ) حتي الآن .. أصدرت مراسيم بقوانين تضع الإطار الذي يحدد طبيعة الممارسة السياسية بشكل منفرد تماما دون استشارة حقيقية للقوي السياسية في قواعد اللعبة التي سيخوضون بها الانتخابات المقبلة و هو ما يمثل علامة تعجب كبري !
تداعيات هذه الممارسات تبين إننا نسير في طريق ملئ بالضباب، و تضعنا أمام سيناريوهات مختلفة.
فنحن أمام سيناريو لحكم عسكري ينتهي بإلغاء الأحزاب !
و أمام سيناريو ديمقراطي الشكل إستبدادي الجوهر ( يسمح و عبر القوانين بشكلها الحالي ! بعودة " روح " نظام المخلوع مبارك ".

و أمام سيناريو لحكم ديني ؛ لأن القوانين بشكلها الحالي توحي بإنها وضعت لتيارات بعينها.
و أمام سيناريو حكم ديمقراطي مدني حقيقي ، بشرط أن يناضل أنصار الديمقراطية و المدنية دون أن تغفو عيونهم للحظة !!
______

(*)    القيت بمركز مبادرة بالاسكندرية في التاريخ الموضح باعلي الدراسة.
(**)  صدرت قبل التعديل النهائي وقتها لقانون الانتخابات و لقانون الدوائر الانتخابية .. و هو ما لا يجعل نتائج الدراسة تختلف كثيراً عن النتائج المرصودة هنا بها. 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حقوق الملكية الفكرية محفوظة © وعند النقل او الاقتباس يُرجى ذكر المصدر
حقوق التصميم محفوظة © Ahmed Magdy