الأحد، 9 يونيو 2013

معجزة دوستوفيسكي



الآلاف من الجماهير المحتشدة ، يتقدمهم صف من الجنود، و توابيت مرصوصة علي جانبيهم.

3 أعمدة ترتفع  تنتظرهم علي دفعات.  الكاهن يتلو صلواته.

يرتفع إلي المقصلة 24 سجيناً يرتدون ملابس خريفية، لا تلائم صقيع ديسمبر في
سان بطرسبرج

يصفهم الجنود إلي صفين، يُجهزون 3 منهم إستعداداً لتنفيذ الحكم فيهم. 

يتلو الضابط الحكم عليهم : " كل المتهمين مُدانون بالسعي بالإطاحة بالنظام القومي، و قد حُكم عليهم بالإعدام رمياً بالرصاص".

الكاهن يقترب منهم، يمارس مهمته، يقرأ آيات من الإنجيل، يُجري معهم طقوس الإعتراف بالخطيئة، و يطلب من كل منهم أن يطلب آخر طلب له في حياته. 

كان المشهد مهيب و رهيب. 

أحد المحكوم عليهم، أصابه الذهول، و قال لنفسه: " إذا لم أمُت، إذا لم اُقتل، ستبدو حياتي فجأة لا نهائية، أبدية كاملة، كل دقيقة ستُصبح قرناً من الزمن، سأعير إنتباهي لكل ما يحدث، لن أهدر ثانية واحدة من حياتي بعدها ".

أنهي الكاهن طقوسه. غٌطي وجه أول ثلاثة ، شد الجنود بنادقهم إستعداداً لتنفيذ الأمر، دقت القبول رجفت القلوب، عم الصمت، سادر الرعب ساحة سمينوفسكي. 

و فجأة.. تخترق عربة يقودها جواد مُسرع - الساحة، و يرفع ضابط يده أوامره بعدم التنفيذ. القيصر الروسي نيكولاس الأول أمر بتخفيف الحكم إلي السجن المشدد 4 أعوام في سيبريا، و الخدمة العامة في الجيش بعد إنتهاء مدة السجن. 

كان من ضمن هؤلاء، الأديب الروسي فيودور دوستوفيسكي. و كانت هذه الواقعة في 1849. 

كان دوستوفيسكي ضمن مجموعة المعارض الروسي ميخائيل بتراشيفسكي، و كانت اوربا قد أندلعت فيها ثورة في العام 1848 و إنتقلت عدواها إلي المجموعات الثورية في روسيا، و كانت هذه المجموعة إحداها، و كانت تنادي بتحرر الفلاحين من الإقطاع، و قد تمكًن القيصر من إخماد الثورة عليه، و اراد أن يُعاقب معارضيه

كانت هذه الحادثة ميلاداً جديداً لدوستوفيسكي، قال في رسالة بعثها لأخيه، عقب تخفيف الحكم عنهم " " الحياة هبة.. كل دقيقة فيها يمكن ان تكون أبدية من السعادة".

قرر أن يعمل بكل جهده كأنه سيموت فوراً. قضي عقوبته في السجن مُكبلة قدميه في أرساف الحديد. لم يكن حزيناً، تقبل الأمر، أراد أن يكتب، لم يكن مسموحاً له بالأقلام و الأوراق، لكن أثناء خدمته العامة في الجيش عقب إنتهاء سنوات السجن، سُمح له بالأوراق و الأقلام، كان قبلها يكتب روايته في مُخيلته، ما إن اٌعطي ورقة و قلماً حتي إنهمر إندفاعه كالسيل، عمل طول حياته بجد و نشاط، ألف روائعه:، الجريمة و العقاب، الأبله،الأخوة كارامازوف ، و غيرها. 

عمل بجد حتي موته في العام 1881.هل مات دوستويفسكي، فعلاً. كيف هذا و هو حاضر دائماً في التاريخ بفنه ؟

كان الإعدام الحق الذي حدث، هو إعدامه لعيوبه. كل دقيقة في العمر لها قيمة. لو أحسنا إدارتها، و قد حقق دوستوفيسكي معجزته و أصبح واحداً من اهم ادباء العالم. 

درس دوستويفسكي، ليس للأفراد وحدهم، هو أيضاً، يصلح للشعوب. 


* كتب/ محمد مجدي 
         الاسكندرية في 10/6/2013





_
كلمات مفتاحية

دوستويفسكي،روسيا، الأديب،الروسي،البؤساء،الجريمة و العقاب، الاخوة كارامازوف،الأبله، سان بطرسبرج، ثورة،الفلاحين،السجن،اعدام،نيقولا الاول، القيصر نيكولاس الاول، شترايفسكي،الكاهن،الضابط،






هناك 4 تعليقات:

  1. الفهمته من كلامك يا محمد أنك تتحدث عن قيمة الوقت و كيفية الإستفاده به
    و ذلك من خلال قصة شخص أدرك قيمة الحياة بعد أن كانت على وشك الضياع

    و طبعا أقدرك قدرتك على تحديد الأوليات و أختيار الموضوع
    فالشئ الذى يتساوى فيه الغنى و الفقير و الدول العظمى و الدول النامية هو الوقت

    جميعنا لديه 24 س فى اليوم 7 أيام فى الأسبوع
    ولكن الفرق فى الإستفادة بهذا الوقت


    و أنا كنت أعرف هذه القصة و أعرف أنها كانت سببا فى إصابة دستويفسى بصرع لباقى حياته

    لكن ما لفت نظرى فى القصة هو أن تهمتهم هى الإطاحة بالنظام القومى... كم من تجارة تحدث بإسم الوطن ؟

    ردحذف
  2. أشكرك يا محمد السيد ، علي تعليقك الجميل. تحياتي.

    ردحذف
  3. قصة جميلة بالفعل وانت مبدع يا صديقى

    ردحذف

حقوق الملكية الفكرية محفوظة © وعند النقل او الاقتباس يُرجى ذكر المصدر
حقوق التصميم محفوظة © Ahmed Magdy